الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
238
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
سبحانه بقوله : ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل . فمن جهة انحرف عن معرفة الله تعالى بظنه أن الله لا يعلم ولا يرى ما يصنع ، وكذلك انحرف عن طريق الإيمان والإخلاص والتقوى ، حينما يعقد الولاء وتقام أواصر المودة مع أعداء الله ، وبالإضافة إلى ذلك فإنه وجه ضربة قاصمة إلى حياته حينما أفشى أسرار المسلمين إلى الأعداء ، ويمثل ذلك أقبح الأعمال وأسوأ الممارسات حينما يسقط الشخص المؤمن بهذا الوحل ويقوم بمثل هذه الأعمال المنحرفة بعد بلوغه مرتبة الإيمان والقداسة . وفي الآية اللاحقة يضيف سبحانه للتوضيح والتأكيد الشديد في تجنب موالاتهم : إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ( 1 ) . أنتم تكنون لهم الود في الوقت الذي يضمرون لكم حقدا وعداوة عميقة ومتأصلة ، وإذا ما ظفروا بكم فإنهم لن يتوانوا عن القيام بأي عمل ضدكم ، وينتقمون منكم ويؤذونكم بأيديهم وبألسنتهم وبمختلف وسائل المكر والغدر فكيف - إذن - تتألمون وتحزنون على فقدانهم مصالحهم ؟ والأدهى من ذلك هو سعيهم الحثيث في ردكم عن دينكم وإسلامكم ، والعمل على تجريدكم من أعظم مكسب وأكبر مفخرة لكم ، وهي حقيقة الإيمان وودوا لو تكفرون وهذه أوجع ضربة وأعظم مأساة وأكبر داهية يريدون إلحاقها بكم . وفي آخر آية من هذه الآيات يستعرض سبحانه الجواب على " حاطب بن أبي بلتعة " ومن يسايره في منهجه من الأشخاص ، حينما قال في جوابه لرسول الله عن السبب الذي حدا به إلى إفشاء أسرار المسلمين لمشركي مكة ، حيث قال
--> 1 - يثقفوكم من مادة : ( ثقف ثقافة ) بمعنى المهارة في تشخيص أو إنجاز شئ ما ، ولهذا السبب تستعمل - أيضا - بمعنى الثقافة أو التمكن والتسلط المقترن بمهارة على الشئ .